اللحظة الراهنة
عبدالله مزيان
Abdellah.wahid@hotmail.com
= (عندما تكثر الهزائم والإنكسارات يزداد الحنين إلى الماضي وأمجاده ..... )
= ( إن الإحساس العفوي يمثل درجة أولى من المعرفة ...... )
= مازال الإنسان في المنطقة العربية عموماً يعيش على هامش التاريخ, مستهلكاً خبرات وتجارب ومنجزات الشعوب الأخرى , إضافة إلى اجتراره لحظات انتصاراته الماضية .
= وإذا كان صحيحاً بأن الحس العفوي يمثل درجة أولى في سلم المعرفة الموضوعية، وهذا ما أفترضه فإن المرحلة الراهنة بأحداثها المتطورة والمتغيرة باستمرار، تمثل بداية تغير في الحس والمزاج الشعبي العام , والتي أخذ ت تتبدى ملامحه وتتمظهر في أشكال مختلفة ، وقد يكون أدنى درجاتها هي المتابعة اللحظية لمجريات الأحداث على الساحة اللبنانية ،ويزداد هذا الشعور حدة من خلال زيادة حالات التناقض الداخلي التي تنتاب الإنسان عموماً ، وحالات الإحباط العام والتبرم والتي تتجلى أحياناً بمظاهر الغضب و... وفي أفضل الحالات يتم التعبير عن هذه الحالات من خلال الإضراب أو التظاهرات أو تقديم المساعدات المادية والمعنوية.... وفي ظل قانون الطوارئ قد يكون من الصعوبة بمكان التعبير عن هكذا مشاعر ، لتبقى دفينة في الذات الإنسانية للفرد نفسه لتموت في داخله أو تتحول لاحقاً إلى حالة من القرف والاشمئزاز ، ومن الممكن أن تتحول في لحظة ما إلى حالة من الغضب أو الحقد على ماهو سائد ، ومن الممكن أن تصل لدرجة الحقد الطبقي كما كان يطلق عليها سابقاً... ، ليتحول صاحب هذه المشاعر إلى مواقع المعارضة السلبية أو الإيجابية أو... ، ومن الممكن أن تصنف هكذا حالات في خانة المشاعر الإنسانية فقط بعيداً عن توصيف سياسي وهذا وارد وطبيعي . ولكن ما أود التركيز عليه هو اللحظة التي يتم فيها الإنتقال من اجترار انتصارات الماضي إلى التفكير بأشكال جديدة تقوم على نشوة انتصارات تنجز على الأرض حتى ولو كانت بدراجاتها الدنيا ، والمساهمة الفعلية في صياغة الحاضر وفق قراءات وتصورات شخصية ،أو على مستوى التصور الشعبي العام أيضاً .
= لكن هل تمثل اللحظة الراهنة حقيقة لحظة تحول تاريخية يعود فيها الفكر وثقافة المقاومة بمستواها الشعبي العام إلى الوجود ؟ وهل المقاومة اللبنانية الراهنة قادرة على انتشال الإنسان العربي من عجزه واستكانته ، وإخراجه من حالة الإذلال والانكسار الداخلي والذاتي التي ساهم فيها بشكل مباشر أو غير مباشر النظام العربي بسلطاته المتلاحقة من خلال تغييب الديمقراطية، وغياب سيادة القانون وسيطرة القوانين الإستثنائية وتغييب المواطن عموماً عن الحياة السياسية....؟ وهل يمكن أن نلحظ بداية تشكل إرادة حرة للمواطن العربي ؟ وما هو السبيل إلى تدعيمها وتقويتها ؟ وهل تعبر حقيقة المعارك الدائرة الآن على الساحة اللبنانية عن مصلحة الشعب اللبناني وعن آمال الشعوب العربية في الانتصار على إسطورة الجيش الإسرائيلي ؟وما هو دور النخب الثقافية والقوى السياسية الوطنية المعارضة في هذه المرحلة .......؟
= أسئلة كثيرة من الممكن أن نطرحها ، وفي معظمها تعبر عن الحالة العامة التي يمر بها الإنسان في هذه اللحظة .
= من دون الدخول في أشكال من الجدل السياسي الذي اعتدنا على إثارته في مثل هذه اللحظات ( رغم أهميته وضرورته ) فقد حققت المقاومة اللبنانية إجماعا ًوتأيداً على المستوى الشعبي العام العربي والدولي ، وأظهرت الشرخ الحقيقي والهوة الفعلية والساحقة بين الشعوب العربية عموماً ونظمها السياسي ،وأكدت على دور القهر والعنف الذي كانت تمارسه هذه النظم ومازالت بحق شعوبها في منعها من التعبير عن أحاسيسها العفوية حتى في أدنى أشكالها والتي من خلالها يمكن للإنسان أن يعبر عن تضامنه مع أشقاءٍ له تقام بحقهم أبشع المجازر الإنسانية وأفظعها .
لن أغالي وأقول بأن المقاومة الحاصلة على الأرض اللبنانية سوف تنقل المواطن العربي إلى موقع صنع القرار لأن الحواجز والموانع إلى ذلك كثيرة ، ولكن أقول أنه في اللحظة التي يعيش فيها الإنسان العربي عموماً لحظات تختلط فيها مشاعر النشوة بالانتصار، مع مشاعر الأسى والحزن ، مع مشاعر الإحباط وعدم الجدوى ، والتي تعبر عن إنفضاح خطاب المقاومة والمواجهة القومية لبعض النظم السياسية القومية ، والتي يروج لها فقط على المستوى الإعلامي ، ليثبت من جديد وعلى المستوى الملموس عدم مصداقية هكذا خطاب ، ومع هيمنة هذه المشاعر تتساقط ورقة التين الأخيرة التي كانت تتستر بها بعض السلطات العربية أمام المواطن ، لتتكشف أمامه بوضوح تام صور الفساد المعمم والنهب لثرواته الوطنية التي يتم إيداعها في البنوك الخارجية لتعود على شكل صواريخ وقذائف تدك مضاجعنا ومضاجع كافة إخوتنا العرب ، وتنفضح أهداف التسليح التي نهبت من خلالها معظم الثروات الوطنية ليتعرف المواطن بحسه العفوي بأن الأسلحة التي يتم تكديسها هي لمواجهته ، وليست لمواجهة العدو ، هذا العدو الإسطورة ، الإسطورة التي لا تقهركما كان يشاع ، لنرى بأنه يتم تحطيمها بشكل يومي على أيدي مقاومين صمموا على النصر أو الاستشهاد في سبيل قضيتهم التي تهدف إلى تحرير الأرض والإنسان من أسر الماضي ، ومن أسر الأفكار التي عملت على تعزيز فكرة أن الإنسان العربي إنساناً مهزوم أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية ، لتعود إلى الذاكرة من جديد بأن الإنسان الحر من الداخل ، وإن الإنسان المؤمن بأهدافه وغاياته لابد أنه منتصر ، وإنما المنهزم هي نظماً سياسية بعينها تعاني من أزمة بنيوية داخلية تتمظهر عبر تكشّف تناقضاتها الداخلية للعلن .
= إن اللحظة الراهنة تفترض من كل مواطن ، وكل من موقعه العمل على تعزيز وتكريس فكرة المقاومة التي غابت مع غياب زمن انتصار الإنسان الحر ، الإنسان الممتلك لمصيره والمعبر عن إرادته الحرة، والتي تم احتوائها في قمقم السلطات العاجزة والتابعة والمرتهنة والمرتبطة بالخارج وفقاً لمصالحها الشخصية و الأنانية .
= وإن على القوى السياسية التي تعتبر أن الإنسان هو غايتها الأسمى وهدفها الأخير ان تعمل ولو لمرة واحدة فقط على رص صفوفها لمواجهة أخطار لا تميز بين إنسان وآخر ،ولا يميز بين مرفق خدمي أو مصنعاً للحليب أو للسلاح... ، هدفها الأول والأخير في المنطقة هو تعزيز مصالحها الحيوية والإستراتيجية المبنية على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ويفترض من هذه المؤسسات أن تكون نزيه ومستقلة ،ولكن للأسف هي ليست كذلك ،بل إنها تخضع إلى إرادة الدول المهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً... وأن الأهم في هذه المرحلة هو أن الحس الشعبي العام لا يتجاوز فقط النظم السياسية ، بل يتجاوز معظم القوى السياسية المعارضة التي تختلف فيما بينها على شكل المقاومة، وتوقيت العملية العسكرية التي قامت بها المقاومة ، وكأن المستهدف الآن هو المقاومة بعينها فقط ، وليس المستهدف هو تمرير المشاريع المرسومة للمنطقة بالقوة العسكرية وتحديداً المشروع ///1559/// الصادر عن مجلس الأمن المنحاز لصالح الدولة المهيمنة عالمياً،ويعمل وفق إرادتها ، والقضاء أيضاً على فكرة المقاومة وثقافة المقاومة التي بدأت ترتسم و تتوضح في المنطقة من جديد ، لترسيخ ثقافة الاستسلام والإذلال لإرادة الدول المهيمنة .
= أما فيما يتعلق بالنظم السياسية في المنطقة ، فإن المواطن العربي عموماً لم يعد يعير لها اهتمام في مثل هذه اللحظات ، لأنه توصل ومنذ زمن إلى نتيجة مأساوية ومحزنة مفادها أن نظمه السياسية ،وسلطاته بشكل محدد وجدت لتنفيذ أجندات خارجية ، وليس للتعبير عن مصالحه ، إضافة إلى أنها موجودة ومستمرة في الوجود لنهب ثرواته الوطنية وإشاعة الفساد والإفساد والقمع والهيمنة على الحي والميت في الوطن وباسم الوطن أيضاً تقوم بذلك ...
ومع كل ذلك لابد من النداء بأن هذه اللحظة هي لحظة المواجهة الحقيقية ، اللحظة التي تستوجب الدفاع عن الإنسان ، وعن الأوطان ، ومن المؤسف بأنه لن تتمكن أياً من نظمنا السياسية الراهنة قيادة مشروع المقاومة ، لكن ما هو مطلوب منها هو تحرير إرادة الإنسان من السيطرة ومن الهيمنة ، وتحديداً من هيمنة الأجهزة الأمنية وعسفها ، لأن الحرية والتحرر لايمكن أن تنجز وتقام بإنسان مقيد وإنسان محتل في وطنه ، إن الإرادة الحرة للإنسان هي التي تصنع المعجزات .
إذاً ليكن نداءً لتحرير الإنسان ، وإطلاق الحرية لقواه الكامنة لتعبر عن نفسها بشكل حر وكامل ، لأن إنساننا مازال يتمتع بحسه الوطني العفوي .
=إذاً لماذا لا نعزز هذا الشعور وهذا الإحساس ؟
= ولنعلم أخيراً بأن القيادة العسكرية الصهيونية راهنت في انتصارها على كسر الوحدة الوطنية وتغذية الفتنة الطائفية في لبنان ، وعلى رص وحدة الصف الداخلي الإسرائيلي خلف عملياتها العسكرية الدائرة في لبنان . وعلى الغطاء التي قدمته لها بعض الدول العربية من خلال موقفها المعلن من حزب الله ، إضافة إلى انحياز الرأي العام الدولي لجانبها و تحديداً الولايات المتحدة الأمريكية .ولكن وبعد ارتكابها للمجازر المتكررة ، وضرب البنى التحتية بدأت تفتقد نسبياً إلى هذا الغطاء ، وتتعزز من جديد الوحدة الوطنية اللبنانية ، ومن خلفها التضامن الشعبي العربي بحسه العفوي .... لماذا إذاً لايتم توظيف هذا الإحساس لخدمة المقاومة وفكر وثقافة المقاومة ، ولتجديد الإحساس بالذات الإنسانية الحرة و المستقلة ، ولماذا يتم الضرب بعرض الحائط بهذه المشاعر بينما تحطيمها هو أحد الأهداف الرئيسية للعدوان الإسرائيلي و في هذه اللحظة بالتحديد
عبدالله مزيان
Abdellah.wahid@hotmail.com
طرحت التطورات العالمية الأخيرة رؤى جديدة في تعاطي الشعوب والدول فيما بينها، وقد شكلت بذلك قطيعة تاريخية كبيرة مع الكثير من مفاهيم الإنتماءات، سواء الوطنية منها أو القومية، لدرجة أن التماهي في هذه المفاهيم أصبح لبوساً فكرياً غارقاً في الإشكالية التي تقف عائقاً أمام تحديده كمفهوم، وبالتالي تحديد علاقته الجدلية أصلاً بحياة الفرد، كفرد بالمعنى المجرد، وبالتالي علاقة هذا الفرد بالمحيط الجغرافي الذي ينتمي إليه .
في إحدى المناسبات القديمة قال الشاعر محمود درويش: " لا ينتمي الإنسان إلى أرض ليس له موتى تحت ترابها " ، واليوم نتساءل إلى أي مدى تحتفظ هذه المقولة ببريقها، وإلى أي مدى مازال الإنتماء إلى مفهوم الوطن، الأرض، القومية، الموروث الثقافي والفكري "وهو الأكثر أهمية هنا، ويتكون من عوامل كثيرة كالدين والعادات والتقاليد والقيم التي يتشربها الفرد في محيطه الجغرافي والديموغرافي والاجتماعي "، إلى أي درجة بقي هذا الإنتماء عالقاً في البنية العقلية والفكرية للفرد في عالم اليوم، وهل استطاعت العولمة حقاً أن تقضي على مفهوم الإنتماء الوطني والقومي ؟؟! وهل استطاعت أن تشكل بديلاً عن هذا الإنتماء الذي يبقى في قلوب الناس روحياً ومعنوياً أكثر منه ماديا ومحسوساً ..!
في المجازر التي ترتكب في لبنان اليوم من قبل القوى الصهيونية المفرطة في التعصب والشوفينية الدينية، قامت الكثير من الدول بإجلاء رعاياها من الأراضي اللبنانية خوفاً عليهم من القصف والقتل الإسرائيلي، وقد سجلت بعض الحالات التي تلكأت فيها الكثير من سفارات الغرب في نجدة رعاياها، فقط لأنهم من أصول عربية لبنانية، أو لأن سحنتهم سمراء وعيونهم بنية اللون، وليست زرقاء والشعر أشقر، نتساءل، والسؤال هنا مشروع ؟ لماذا لم تقم هذه القوى بإخلاء كل اللبنانيين، كل المدنيين اللبنانيين، فإذا ما كنا في زمن العولمة، والعالم هو عبارة عن قرية صغيرة، يتحكم فيها مختار واحد إسمه أمريكا، فلماذا لم ينقذ هذا المختار أهل هذه القرية جميعاً من القتل والتدمير، ولماذا اختار مجموعة دون أخرى ، ألم تتماهى الأوطان والأزمان والقوميات وكل شيء ..؟ أوليس هؤلاء الذين يقتلون من هذا العالم الذي وسمته العولمة بأنه قرية كونية صغيرة، وهذا يعني بالضروروة أن كل سكان هذه القرية مسؤولون من راعيها، أو القيمّ عليها، وإن لم يكن ذلك فهذا يعني، بؤس العولمة التي تضر ولا تنفع ، وتقتل و لاتحيي، وتدمّر ولا تعمّر، وتلحق الناس بأذنابها طالموا هم ليسوا ثقلاً عليها، ولكن عندما يشعرون بأن هؤلاء يشكلون ثقلاً مهما كان بسيطاً عليهم، يقذفونهم خارج السرب بتلويحة ذنب من أذنابهم الطويلة التي تمتد إلى كل بقاع الأرض..!
ونعود هنا للتساؤل، وربّما كان العود أحمد’،إلى هؤلاء الذين قالوا، وتبنّوا، وروّجوا، وسوَقوا ، لمقولة أمريكا اليوم هي السيد، ولا مناص من الدوران في فلكها، والانصياع لقوانين العولمة، وأن زمن الإنتماءات الوطنية قد ولىّ، وأن مفهوم القومية أضحى من الماضي كزمن بسمارك وهتلر وموسوليني وغيرهم، ولنفترض جدلاً أننا حزمنا عديدنا وعدّتنا وذهبنا نبحث عن موطىء قدم في هذا الفلك العظيم " أي العولمة "، ألا يترتب على هذه المعادلة حقوق وواجبات، والواجبات كثيرة نقدمها ونحن مسرورين، مبسوطين، خانعين، ولكن ماذا عن حقوقنا، في الحياة والرعاية، التعليم والحرية، السكن والتربية والغذاء والأمن ، والسلام العالمي ...؟؟؟!! ماذا عن كل هذا؟؟ هل سعت هذه القوى إلى تقديم كل هذه الحقوق لأهلها، هناك أمثلة كثيرة جلّية ومعاصرة عن الطريقة التي حصلت فيها بعض هذه الشعوب على حقوقها: كما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين، وفي لبنان وأمريكا اللاتينية وغيرها من بؤر التوتر والصراع في أرجاء العالم ...!!!
’كثر نادوا بأن سياسات بعض الدول المناهضة لأمريكا خاطئة، واليوم يجب أن ننفتح على العالم وإلاّ كان التكّلس والتخلف مصيرنا المحتّم، وسبقتنا ريح الحضارة وعظمتها، وتحولنا إلى مجتمعات تعيش على هامش التاريخ ، وأعود هنا للتساؤل ؟ ماذا لو حصل ما يحصل في لبنان في أمريكا اللاتينية مثلاً، والتي لا تنتمي إلى نفس القومية، ألن تهبّ جميع دول أمريكا اللاتينية لنجدة جارتها التي تتعرض لهذا النوع من الوحشية التي تجاوزتها البشرية منذ سنوات طويلة، ولماذا لم تهب ولا دولة عربية واحدة لنجدة لبنان، بل على العكس من ذلك، دول عربية كثيرة منحت الغطاء السياسي للقتل الإسرائيلي، وإذا كان هؤلاء وأمثالهم ممن يتنشقون نسائم العولمة في الصباحات الجميلة، يقّرون بأن العولمة تلغي القومية والإنتماء الديني والمذهبي، فلماذا ’يحارب اللبنانيون وحزب الله لأنهم من المذهب الشيعي، ولماذا ’يقتل اللبنانيون لأنهم لا يرضخوا لإرادة إسرائيل في التبعية لها ومباركة دولتها التي تقوم على العنصر الديني، وإذا ما كان هذا حال العالم اليوم، فلماذا تقوم في أمريكا مئات الأحياء التي تجمع أناس من جنسية وقومية واحدة: الحي الصيني، الياباني، العربي، المكسيكي، البرزيلي.. إلخ ؟!! لماذا لم تستطع العولمة في عقر دارها أن تقضي على النزعات القومية والدينية بين أهلها الذين اكتسبوا الجنسية الأمريكية في أراضيها، ولماذا لا تسعى إلى إلغاء نزعاتهم القومية قبل أن تأتي إلى ديار الغير لتلغي وجوده وكيانه وحضارته وتراثه الفكري والإنساني العريق، كما حصل في العراق، وفلسطين وما يحاولو أن يصنعوه اليوم في لبنان .. ؟؟!
وإذا ما ابتعدنا عن الخط القومي الذي يشكل الإنتماء المشترك لشعوب المنطقة بغالبيتها، فكيف نفسر حملة صلاح الدين الأيوبي "وهو من القومية الكردية " التي هزم فيها الصليبيين وطردهم من القدس، و ربّ مشكك يقول بأن ذلك حصل تحت راية الدين الإسلامي الذي يجمع شعوب المنطقة بغالبتنها أيضاً، وإذا كان هذا صحيحاً فهل تغير الإنتماء الديني اليوم ؟؟! هل تغير الإسلام ؟!
ونقول هنا بأن هذا القائد الفذّ العظيم صلاح الدين لم يذهب من شمال سوريا إلى القدس بإسم الدين الإسلامي فقط، بل هو كان عسكرياً استراتيجياً، شعر بأن الوجود الصليبي في القدس سيشكل تهديداً على الأمن القومي في المنطقة برّمتها، وأن المنطقة ستقع كلها تحت براثنهم فيما لو استمروا في وجودهم فيها، لذلك حاربهم وهزمهم وطردهم إلى بلادهم ، واليوم يعود السيناريو بشكل مختلف ليهدد ليس فقط الأمن القومي للمنطقة ، بل ليهدد وجود المنطقة برمّتها، تاريخها، تراثها، وجودها البشري والوطني والقومي ، فإذا كانت النزعة القومية قد ذهبت أدراج الريح لدى الكثيرين من أصحاب العماء الفكري الذين أصابهم السواد في قلوبهم، وإذا كان الدفاع عن لبنان أو مؤازرته، أو حتى إدانة ما يحصل فيه يندرج تحت إسم القومية العربية المشتركة، وهي منبوذة من قبلهم، أفلا يفعلون ذلك تحت راية حماية أمنهم القومي والإستراتيجي البعيد المدى ، أم أن هذه النخب السياسية والفكرية قد باعت نفسها لشيطان أعمى سيقتلع جذورهم يوماً دون أن يميز بين عدو وصديق ..؟؟!
عبدالله مزيان
abdellah.wahid@hotmail.com
02-08-2006
تطورات الايام الاخيرة ، والاصح القول الساعات الاخيرة مثيرة للتفكير ولأعادة تقييم العديد من المفاهيم السياسية ، ولا اقول العسكرية ايضا ، لاني لا افهم في القضايا العسكرية اكثر من كونها سياسة بلغة القوة ، او استمرار لعنجهية القوة لفرض واقع سياسي ، حتى اليوم كانت لغة اسرائيلية ناجحة مع جميع الدول العربية ، وتركت ترسبات انهزامية باتت تقرر في القرار العربي ،اذا صح ان نسمي الانهزامية العربية قرارا ، ومن الواضح انه في غياب انظمة عربية منتخبة دمقراطيا ، وتتمتع بمؤسسات سلطة مستقلة ، ورقابة على نهج ادارة السلطة من البرلمان ومن المؤسسة القضائية ومن جهاز رقابة مستقل يتمتع بالصلاحيات الكاملة ، اسوة بالانظمة الدمقراطية في العالم ، لن يتغير النهج الانهزامي للأنظمة العربية لسبب بسيط ، ان ما يقلق انظمة الحكم ليس تصرفات العنجهية الاسرائيلية والجرائم التي ترتكبها ضد الشعوب العربية ، وضد شعبها نفسه ، انما صيانة الأنظمة الفئوية والطائفية والعائلية وأمنها واستمراريتها ورفاهية المنتفعين من حولها ...
فجر الاثنين 06 /08 /01 كان من الممتع النظر لوجه الامبراطورية العظمى في عصرنا ، امبراطورية بوش الامريكية ، كما تجلى بسحنة وزيرة خارجية الامبراطورية كوندوليزا رايس وهي تقدم بيانها للصحافة قبل ان تغادر اسرائيل الى واشنطن . ما لم تقله رايس هو المهم الذي جعل الابتسامة الامبراطورية تختفي من وجهها الناضر ، تلك الابتسامة التي نقلت عبرها رسائلها السياسة للمجتمع الدولي وللدول العربية ، بلغة دبلوماسية جديدة ، لها الحق ان تسجلها لحسابها الدبلوماسي ، فلم يسبقها لهذا الاسلوب السياسي الا عضوة البرلمان الطليانية "تشوشينا" ، ولكن على مستوى ايطاليا فقط . الآنسة رايس تفوقت على الطليانية اثناء لقاءاتها الحميمة مع اصحابها الاسرائيليين ، وربما ما زالت تتذكر ايامها الممتعة في الجامعة العبرية ، مما اعطى لابتساماتها زخما سياسيا وقوة امبراطورية لم يسبقها اليه احد . كما قلنا .. تناثر وهج السعادة من وجهها فجر الاثنين نهائيا ، ومن حق رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورا علينا ، ان نعترف له بانه اول مسؤول عربي ، ودولي ايضا... يكسر عنجهية الآنسة ممثلة امبراطورية بوش ، عندما اغلق ابواب لبنان امامها ، مترجما الى لغة السياسة ، الواقع العسكري في الحرب التي تنفذها اسرائيل لحساب النظام الامريكي .
لا اقدم اي جديد في القول ان هذه الحرب امريكية بأهدافها الاساسية ، وتختلف عن حروب اسرائيل السابقة ، التي خاضتها اسرائيلية بدعم امريكي .الهدف الامريكي هو ضرب حزب الله ( ابادته )الذي ترى فيه الادارة الامريكية منظمة ارهابية ، الامر الذي سينكس ايجابا على حربها العالمية على ما تسميه "الارهاب العامي " ، ولا انفي ان للأمريكيين حسابات قديمة وحديثة مع حزب الله . تحقيق نصر امريكي - اسرائيلي ضد حزب الله ، حسب المفاهيم الامريكية ، هو خطوة كبيرة في الاستراتيجية الدولية للسياسة الامريكية ايضا .
ومقابل هذه المهمة ، تستطيع اسرائيل ان تهدم لبنان وتقتل اطفاله ونسائه وناسه الابرياء ، وان تعيد الى صميم السياسة العربية روح الانهزامية المطلقة والاستسلام المستقر بصفته واقعا عربيا موضوعيا .
ان اي تفكير سياسي واقعي ، كان عليه ان يأخذ هذا الاتجاه باعتباره قبل القيام بأي استفزاز عسكري يودي بحياة المئات من الابرياء .لا يوجد اي تبرير لتعريض مواطني دولة للتدمير ومواطنيها للقتل والتشريد تحت اي صيغة مهما كانت صادقة ... وخاصة في ظل غياب منظومة دفاعية وقدرات سياسية ( عربية في حالتنا ) قادرة على الحركة والتأثير ... شكرا للملايين من الدولارات العربية ، لكنها لن تعيد بناء الا الحيطان وشوارع الاسفلت .
ان منظر عشرات الاطفال من ضحايا الجنون الاسرائيلي –امريكي اصعب بملايين المرات من مناظر الاجرام النازي في اوروبا . اذا لم يحرك هذا الدم الطاهر البريء الشعوب العربية لنسف انظمتها ، والبدء بتغيير الواقع العربي ، فهذه الامة في طريقها للضياع والانحلال !!
قلت واكرر .. رفضي لسياسة ومغامرات حزب الله لا تعني اني اقف على الحياد مكتفيا بالانتقاد ، بل ارى اهمية صمود مقاتليه واعطاء نموذج للشعوب العربية ، هو الاول من نوعه منذ بدأت الهزائم العربية . واعتقد انه فاجأ مؤيديه ايضا بقدراته الاسطورية .
الامريكيون في تغطيتهم لعملياتهم العسكرية بأيدي اسرائيلية اكدوا مرارا ، ان وقف اطلاق النار فقط بعد خلق الشروط التي "تكفل استمراره" ، اي القضاء على القوة العسكرية لحزب الله ، وانه لا وقف لاطلاق النار بين دولة و" منظمة ارهابية " ، فما الذي غير الوضع وجعل وجه ممثلة الامبراطورية العظمى ينقط سما فجر الاثنين ؟
لا استهتر بقوة ثأثير المذبحة الهمجية للأطفال والأبرياء في قانا , وتأثير المناظر المرعبة لتدمير لبنان وقتل المدنيين ، ولكن الأمر الحاسم كان العجز الامريكي - الاسرائيلي ، رغم كل الاسلحة " الذكية " والجيش الجبار ، في ترجمة القوة العسكرية مع اشباح حزب الله عل الارض ، الذين جعلوا الجيش الجبار يقاتل ظلاله .
ولا بد من التأكيد بأن طلب رئيس الحكومة اولمرت لاسبوعين اضافيين ، يظهر عمق الأزمة العسكرية لجيشه ، والمهزلة التي اصبحت اسما رديفا لقوة الردع الاسرائيلية .
في حساب الخسارة والربح السياسي ايضا حقق حزب الله انجازا غير مسبوق عربيا ، اعطى للسلطة الشرعية اللبنانية الحق بان تكون اول سلطة عربية ، وربما دولية ايضا في العصر الحديث على الاقل ، توجه صفعة مهينة لممثلة الامبراطورية الأمريكية . . " انت غير مرغوب فيك ، لا رصيد لامبراطوريتك في بنك لبنان السياسي " . وكما وضعت الامبراطورية شروطا مهينة لوقف القتال ، وضع لبنان شروطا مهينة لاستقبال ممثلتها . فغابت الابتسامة ، وتعود لواشنطن بفشل قد يكلفها منصبها . وانعكاسات هذا الفشل والصفعة المهينة ستصبح معيارا سياسيا دوليا ، قد يقلب الكثير من النظريات السياسية التي تتداولها الاكاديميات وغرف التخطيط السياسي في دول العالم المختلفة ، وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية .
من الصعب معرفة كيف تنتهي الحروب . من السهل اشعالها . هذه اول حرب تخوضها اسرائيل وتتعثر . لاول مرة يشعر المواطنين بالخطر على حياتهم ويدفعون ثمنا انسانيا رهيبا ايضا . انا لا اميز بين الم انسان وآخر , حتى لو كان نقيضا لي . ولا اميز بين دم وآخر ، ولا اميز بين بكاء الاطفال والامهات .. بعض المهووسين في اسرائيل رفعوا شعارات لا تخجل بمضمونها مجرمي الحرب الذين حوكموا في نورنبرغ.
.. واولئك المهووسين من رجال سياسة وبرلمانيين ... قال احدهم بوقاحة حيوانية : "ان تبكي ام لبنانية افضل من ان تبكي ام يهودية " . هل تصرف الجيش في قصفه للمراكز الآهلة بالسكان في لبنان على اساس هذه القاعدة الأخلاقية غير الجديدة في اسرائيل ؟ الموضوع يحتاج الى تدقيق ودراسة للفكر العسكري والاخلاقي الاسرائيلي كما انعكس في كل حروبات اسرائيل !! ويبدوا ان السادة السياسيين يتصرفون حسب هذه المقولة اذ لم نسمع امتعاضهم على الأقل من هذه الآفة الحيوانية .. في دولة تحترم نفسها ، مثل هذا القول يقود الى النبذ والآقصاء من المجتمع البشري وليس من السياسة فقط . كنت اتوقع ان اسمع شجبا من بعض العقلانيين ، واعترف انه بعد صمت المدافع ستعلو اصواتهم ويكثر عددهم ، ولا بأس بذلك .
الفشل الاسرائيلي - الامريكي له اسقاطات بعيدة المدى ... وسنشهد محاولات لاعادة ترتيب الاوراق وربما استمرار الحرب الهمجية بقوة دفع اعظم لانجاز ما فشلوا من انجازه حتى اليوم ،واعتقد ان رايس باتت اسيرة للرغبة في الرد على الصفعتين .. صفعة لبنان السياسية وصفعة الصمود الاسطورية للشعب اللبناني ، الذي قد يهز العروش العربية الخاملة والفاسدة ويد